ابن حزم

27

رسائل ابن حزم الأندلسي

على أنا قبل أن نغادر مجلس يحيى بن خالد علينا أن نتذكر أموراً سنحتاج إليها كلما تقدمت بنا الخطى في طريق هذا البحث ، ومنها : 1 - أن أولئك المفكرين يكادون يجمعون على أن الحب اتصال بين الأرواح أو النفوس ( أو بين روحين ونفسين ) على سبيل المشاكلة ، والتكافؤ في الطريقة ، والمطابقة والمجانسة في التركيب ، أو إنه تمازج بين جواهر النفوس بوصل المشاكلة والمناسبة والمساكنة ، أو انه اتفاق الأهواء وتمازج الأرواح وتراوح الأشباح . 2 - أن بعض أولئك المفكرين ذهب إلى القول بنورانية الحب : " انبعث لمح نور ساطع تستضيء به نواظر العقل وتهتز لإشراقه طبائع الحياة " ( 1 ) . 3 - عبر أكثرهم عن قوة الحب وسلطانه ونفوذه بصور مختلفة لكن المرمى فيها واحد ، مثل : " له نفوذ في القلب كنفوذ صيب المزن في خلل الرمل " و " له مقتل في صميم الكبد ومهجة القلب " و " أدب من الشراب له سحابة غزيرة تهمي على القلوب فتعشب شغفاً وتثمر كلفاً " و " له دبيب كدبيب النمل " و " يسور في البنية سوران الشراب " الخ . 4 - أتفق أكثرهم على وصف حال المحب بالتذلل وما إليه من مظاهر فقالوا : إنه يخضع لعبد عبده ، دائم اللوعة ، طويل الفكر ، صومه البلوى ، وإفطاره الشكوى ، أذل من النقد ، يهش لكل عبد ، ويؤسر بكل طمع ، يتفوه بالأماني ويتعلل بالأطماع . 5 - وأنفرد الموبذ قاضي المجوس بالربط بين الحب وحركات النجوم والفلك " الأسطقسات تولده والنجوم تنتجه وعلل الأسرار العلوية تصوره تنبعث خواطره بحركات فلكية الخ " .

--> ( 1 ) المسعودي 4 : 240 وقارن بما أورده أبن القيم في روضة المحبين : 139 .